ادرك انه لا يحلم وانها حقيقة ليست خيال .. كانت تجلس امامه مائلة تسند نصفها الامامي بيدها ويغطي شعرها معظم جسدها .. لم ينطق بكلمة بل آثر ان تبدأ هي الكلام .. " انا بحبك من زمان وكنت بحاول اساعدك كتير في البحر لما الموج يكون عالي والبحر هايج وكنت بشد المرسى جامد عشان المركب بتاعك مايتقلبش وعلى طول كنت بتفرج عليك وانت نايم وقبل ماتصحى برجع البحر عشان ماتاخدش بالك، بس لما اتأكدت انك وحيد قررت اظهرلك واعترفلك بكل حاجة"... كان ينظر مبحلقا غير واع لنصف ماتقول ثم صمت قليلا واجاب " هو انتي الندّاهة؟" قهقهت ضاحكة ووضعت يدها على فمها في خجل وقالت " هما لسة بيسموني الاسم العبيط ده!" نظر اليها متفحصا وقال " انتي عايزه مني ايه؟" لم تقف ولم تتحرك ولم تحاول الاقتراب منه، اجابته وهي تنظر الى القمر "عايزاك انت .. انا عرفت انك ملكش اهل وعايش لوحدك وكل البحارة والصيادين بيسافروا في البحر وبيقعدوا كتير بس بيغيبوا فترة عشان اهلهم اما انت مابتغيبش خالص ولو كان عندك حد او حتى حبيبه كنت رجعتلها ملهوف" كان مبهورا بجمالها الذي لم يره في فتاة قبلها .. تملك شفاها في حمرة الورد وبياضا مثل اللبن وشعرا في سواد الليل منسدلا في نعومة يغطي معظم معالمها في اثارة مغرية .. اخيرا، جلس على ارض المركب وقد بدأ ينصت في اهتمام شديد، فهو لم تُحبه فتاة من قبل لأنه دائم السفر ولم يفكر في الزواج لأنه على يقين من رفضه زوجا لأية ابنة بسبب فقره المضني .. اكملت حديثها " انت لو جيت معايا هتشوف اللي عمرك ماشفته، وكل كنوز البحر مش هتغلى عليك هتبقى مَلِك وكفاية اني هكون مِلكك وهتكون على عرش قلبي، انا رفضت نص سكان البحر وشفت بحارة كتير بس قلبي مادقش غير ليك انت بس .. ياعبده" .. عندما نطقت اسمه في دلع خفق قلبه بشدة وتسارعت انفاسه وكأنه يحارب شيئا في داخله، أجاب سريعا " اجي معاكي فين؟" قالت "نعيش في البحر جوه بس خلي بالك لو واقفت مش هترجع الارض تاني ولا هتطلع من البحر بعد كده خلاص هتبقى مننا وعلينا"، كبرت عيناه من المفاجأة وحدث نفسه بأن ماكان يسمعه من سكان القرية هو صحيح وان النداهة التي تغري الرجال والبحارة وتأخذهم ويختفوا بعدها هو مايحدث في الحقيقة .. اخبرها بأنه سيفكر في الأمر ولن يجيب بسرعة لانه قرار مصيري ولا يجب اتخاذه بسرعة هكذا، وفي لمح البصر اختفت مثلما جائت.. لم يستطع النوم في تلك الليلة ولم يعهد الارق الذي صاحبه حينها يفكر في كل كلمة ويفكر كم هي جميلة وتحبه وتريده ولم يحبه احد ولن يقبل به احد من القرية وهذه فرصته لكنه لو قرر رفضها لن يستطيع الابحار مرة اخرى وسوف تحل عليه اللعنة وتبتلعه البحار من غير رجعة فلا هو تزوجها وتنعم بكنوز البحر ولا استطاع عيش حياته الطبيعية مرة اخرى .. ابحر عائدا الى القرية وكان في نيته البحث عن رجل طيب كان دائم الابتسام له والسؤال عنه وسوف يطلب منه الزواج من ابنته فاذا رفض سيقبل عرض "الندّاهة" بلا عودة واذا قبل سيعمل في القرية معتزلا حب حياته ورفيق مشواره "البحر" .. غربت شمس ذاك اليوم واخذ حماما ساخنا وارتدى اجمل مالديه من ثياب وخرج لمقابلة الرجل، رحب به كثيرا وجلسوا يتحدثون قليلا في أمور القرية وحال سكانها ثم القى طلبه وانتظر، صمت الرجل قليلا ووعده باجابته يوم الغد بعدما يأخذ رأي ابنته، وفي اليوم التالي أرسل الرجل في طلبه وذهب مسرعا علّه يسمع الخبر الذي يتمناه قلبه، لكن الرجل اخبره برفض ابنته وانه لايستطيع اجبارها على الزواج ممن لاتريده وتمنى له الخير..
اخذ يتمشى على شاطئ البحر والشمس تميل الى الغروب ينظر الى الافق البعيد ويرقب الطيور في السماء ويسمع اصواتها في سكون وهو يتأمل حوله كل شىء وكأنه يودعه لآخر مرة .. ماان غربت الشمس حتى قفز الى مركبه وشرع في الابحار بلا عودة تاركا خلف ظهره تساؤلات هل اخذته الندّاهة؟ هل غرق بعد مصارعة مع امواج البحر العاتية؟ ام هاجر الى مدينة اخرى وآثر الهروب؟!
لم يعرف احد ولم يجب احد ..
No comments:
Post a Comment